0 مستقبل أوروبا في عودة الثقة لليورو

adsense here

جوزيف س. ناي الابن

في النصف الأول من القرن الماضي مزقت أوروبا نفسها في حربين ودمرت دورها المحوري في السياسة العالمية. وفي النصف الثاني من القرن نفسه، نظر الزعماء الذين يتمتعون ببعد النظر إلى ما هو أبعد من الانتقام ونجحوا تدريجياً في بناء مؤسسات التكامل الأوروبي. وباتت فكرة نشوب حرب أخرى بين فرنسا وألمانيا في حكم المستحيل، ونجحت نشأة الاتحاد الأوروبي إلى حد عظيم في تعزيز جاذبية أوروبا وقوتها الناعمة في العالم. لكن من المؤسف أن هذا الإنجاز التاريخي أصبح اليوم محل تشكك.
في أيار (مايو) 2010 فقدت الأسواق المالية الثقة بقدرة اليونان على إدارة العجز في ميزانيتها وتسديد ديونها, وبدأ الخوف من عجز اليونان عن سداد ديونها في التأثير في بلدان أخرى، مثل البرتغال وإسبانيا، بين بلدان منطقة اليورو الـ 16. وفي محاولة لإنقاذ الموقف بادرت الحكومات الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، إلى ترتيب برنامج طارئ لإنقاذ منطقة اليورو وتهدئة العواصف المالية بلغت قيمته 700 مليار يورو.
ورغم الارتياح المؤقت الذي أفضى إليه هذا التدخل فإن حالة من عدم اليقين ما زالت تخيم على الأسواق المالية. وفي الشهر الماضي أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن اليورو إذا فشل «فإن الفشل لن يقتصر على العملة فحسب, بل إن أوروبا أيضاً ستفشل، وستفشل معها فكرة الوحدة الأوروبية».
والواقع أن الوحدة الأوروبية تواجه بالفعل قيوداً هائلة, فالتكامل المالي محدود، والهويات الوطنية لا تزال أقوى من الهوية الأوروبية المشتركة على الرغم من مرور ستة عقود من التكامل، والمصالح الوطنية لا تزال تشكل أهمية كبرى رغم إخضاعها مقارنة بالماضي.
إن توسع الاتحاد الأوروبي ليشمل 27 دولة (مع مزيد في المستقبل) يعني أن المؤسسات الأوروبية من المرجح أن تظل فريدة من نوعها، ومن غير المرجح أن تؤدي إلى أوروبا فيدرالية قوية أو دولة واحدة. إن التكامل القانوني في ازدياد، والأحكام التي تصدرها المحكمة الأوروبية ألزمت البلدان الأعضاء بتغيير سياساتها. لكن تكامل الفرع التشريعي والتنفيذي ظل متأخراً، ورغم إنشاء منصب الرئيس وتعيين مسؤول عن العلاقات الخارجية فإن تكامل السياسات الخارجية والدفاعية لا يزال جزئيا.
كانت أوروبا على مدى العقود تتناقل بين التفاؤل المفرط ونوبات من «التشاؤم الأوروبي»، كتلك الفترة التي تعيشها حاليا. وطبقاً لتعبير الصحافي ماركوس ووكر فإن أوروبا «كان من المفترض أن تبلغ مرحلة النضج باعتبارها عنصراً فاعلاً على الساحة العالمية، مدعومة بمعاهدة لشبونة، لكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن أوروبا تكاد تبدو وكأنها الخاسر في نظام جغرافي سياسي جديد تهيمن عليه الولايات المتحدة والقوى الناشئة تحت زعامة الصين». ولا أدل على ذلك, كما قال ووكر من اجتماع الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر)، الذي أسفر عن اتفاق كوبنهاجن المتواضع ـ وهو الاجتماع الذي تم تحت قيادة الولايات المتحدة والصين، الذي حضره زعماء الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، لكن لم تُدعَ لحضوره أي دولة أوروبية.
والآن كشفت الأزمة المالية الأخيرة عن الحدود القاصرة للتكامل المالي في منطقة اليورو وأثارت التساؤلات حول دور اليورو ومستقبله.
لكن كيف يبدو مستقبل أوروبا؟ كما لاحظت مجلة «الإيكونوميست»: «يبدو أن الحديث عن انحدار أوروبا النسبي أصبح شائعاً في كل مكان الآن .. وقد نستمع إلى أرقام كئيبة عن ثِقَل أوروبا في المستقبل, ففي عام 1900 كان سكان أوروبا يشكلون ربع تعداد سكان العالم, وبحلول عام 2060 ربما تنحدر النسبة إلى 6 في المائة من سكان العالم, بل إن ما يقرب من ثلث سكان أوروبا آنذاك ستتجاوز أعمارهم 65 عاماً».
إن أوروبا تواجه بالفعل مشكلات ديموغرافية حادة، بيد أن عدد السكان لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوة، والواقع أن التكهنات بسقوط أوروبا تتسم بتاريخ طويل من مجانبة الصواب. ففي ثمانينيات القرن الـ 20 كان المحللون يتحدثون عن تصلب أنسجة أوروبا وضعفها الشديد، لكن في العقود التي تلت ذلك أظهرت أوروبا نمواً مبهراً وتطوراً مؤسسياً هائلاً.
والواقع أن النهج الذي تبناه الاتحاد الأوروبي فيما يتصل بتقاسم السلطة، وإبرام الاتفاقيات، وتسوية النزاعات بالاستعانة بلجان تعددية ربما يكون محبطاً وقد يفتقر إلى الدراما، لكن هذا النهج صالح تماماً للتعامل مع عديد من القضايا الناشئة في عالم متشابك يتسم بالاعتماد المتبادل بين أطرافه كافة. وطبقاً لتعبير مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «إن الحكمة التقليدية تزعم أن ساعة أوروبا حانت ثم ولت. ذلك أن افتقارها إلى البصيرة، وانقساماتها، وهوسها بالأطر القانونية، وعدم رغبتها في إبراز قوتها العسكرية، واقتصادها المتصلب، كل ذلك يتناقض بوضوح مع صورة الولايات المتحدة الأكثر هيمنة حتى من روما القديمة, لكن المشكلة ليست في أوروبا, بل إن فهمنا العتيق للقوة هو المشكلة».
ويسوق خبير العلوم السياسية الأمريكي أندرو مورافسيك حجة مماثلة مفادها أن الدول الأوروبية، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي، هي الدول الوحيدة باستثناء الولايات المتحدة التي تمتلك القدرة على ممارسة نفوذها العالمي عبر طيف كامل من القوة «الصارمة» إلى القوة «الناعمة». وبقدر ما يحتفظ هذا المصطلح بأي معنى فإن العالم سيظل ثنائي القطبية، ومن المرجح أن يظل على حاله هذه في المستقبل المنظور».
ويزعم مورافيسك أن التكهنات المتشائمة تستند إلى وجهة نظر واقعية ترجع إلى القرن الـ 19, حيث كانت القوة مرتبطة بالحصة النسبية من مجموع الموارد العالمية وكانت البلدان منخرطة في منافسة شرسة متواصلة يتساوى فيها المكسب مع الخسارة. كما يشير مورافيسك فضلاً عن ذلك إلى أن أوروبا تُعَد القوة العسكرية الثانية على مستوى العالم، حيث تستحوذ على 21 في المائة من إجمال الإنفاق العسكري على مستوى العالم، مقارنة بنحو 5 في المائة للصين، و3 في المائة لروسيا، و2 في المائة للهند، و1.5 في المائة للبرازيل.
إن القوات العسكرية التابعة لبلدان الاتحاد الأوروبي المنتشرة خارج الديار في بلدان مثل: سيراليون، الكونغو، كوت ديفوار، تشاد، لبنان، وأفغانستان تُعَد بعشرات الآلاف. أما عن القوة الاقتصادية فإن أوروبا لديها أكبر سوق في العالم، وتمثل 17 في المائة من التجارة العالمية، مقارنة بنحو 12 في المائة للولايات المتحدة. كما تقدم أوروبا نصف المساعدات الخارجية في العالم، مقارنة بنحو 20 في المائة للولايات المتحدة.
ولكن كل هذه القوة المحتملة ربما تكون بلا جدوى إذا لم يسارع الأوروبيون إلى حل المشكلات الفورية الناجمة عن فقدان الأسواق المالية ثقتها باليورو. ويتعين على كل من يحترم التجربة الأوروبية أن يأمل نجاح هذه المساعي.
*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

لاتوجد تعليقات "مستقبل أوروبا في عودة الثقة لليورو"

إرسال تعليق